وهبة الزحيلي
1914
التفسير الوسيط
جبل الطَّور ، وآتاه اللَّه النّبوة والتّوراة ، وجعله رسولا إلى فرعون وقومه ، بني إسرائيل ، وكانت معجزته الدّالة على نبوّته انقلاب العصا حيّة عظيمة ، وإضاءة يده كالشمس المشرقة ، وكلفه اللَّه بتبليغ رسالته إلى فرعون وملئه : القوم الفاسقين ، وتلك مهمة شاقّة وعسيرة . قال اللَّه تعالى واصفا هذه المرحلة الجديدة في حياة موسى كليم اللَّه : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 29 إلى 32 ] فَلَمَّا قَضى مُوسَى الأَجَلَ وسارَ بِأَهْلِه آنَسَ ( 1 ) مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لأَهْلِه امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ( 2 ) لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 3 ) ( 29 ) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 ) وأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ ( 4 ) كَأَنَّها جَانٌّ ( 5 ) وَلَّى مُدْبِراً ولَمْ يُعَقِّبْ ( 6 ) يا مُوسى أَقْبِلْ ولا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ( 7 ) واضْمُمْ ( 8 ) إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ( 9 ) فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ ومَلائِه إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 32 ) [ القصص : 28 / 29 - 32 ] . لما أتم موسى عليه السلام أكمل المدّتين برعي غنم شعيب عليه السّلام عشر سنين ، أراد أن يسير بأهله إلى مصر وقومه ، وقد أحسّ لا محالة بالترشيح للنّبوة ، وكان رجلا غيورا لا يصحب الرفاق ، فسار في ليلة مظلمة باردة ، فأخطأ الطريق ، واشتدّ عليه وعلى زوجته البرد ، فبينا هو كذلك إذ رأى نارا ، وكان ذلك نورا ، من نور اللَّه تعالى قد التبس بشجرة ، من العلَّيق أو الزعرور أو السمرة ، فقال لأهله : ابقوا في مكانكم أو أقيموا ، إني رأيت نارا ، لعلي آتيكم منها بخبر عن الطريق ، أين
--> ( 1 ) آنس : أحسّ بالبصر ، وأبصر بوضوح . ( 2 ) عود فيه نار . ( 3 ) تستدفئون . ( 4 ) تتحرك بشدة . ( 5 ) حيّة خفيفة في السرعة . ( 6 ) لم يرجع على عقبه ولم يلتفت . ( 7 ) أي داء برص ونحوه . ( 8 ) ضم إلى صدرك . ( 9 ) ضمّ يدك إلى صدرك يذهب عنك الخوف من الحية .